السبت, فبراير 21, 2026
الرئيسيةBlog"أحاديث المدن".. تجربة سوريّة لإعادة بناء المشترك بلا جدال

“أحاديث المدن”.. تجربة سوريّة لإعادة بناء المشترك بلا جدال

#️⃣ #أحاديث #المدن. #تجربة #سورية #لإعادة #بناء #المشترك #بلا #جدال

“أحاديث المدن”.. تجربة سوريّة لإعادة بناء المشترك بلا جدال

📅 2026-01-02 13:23:37 | ✍️ سائد الحاج علي | 🌐 الحل نت

ما هو “أحاديث المدن”.. تجربة سوريّة لإعادة بناء المشترك بلا جدال؟

في أماكن عامة وبعيدة عن الأضواء، يجلس سوريون من خلفيات مختلفة في دائرة واحدة، لكل شخص وقت محدد للحديث، بينما يلتزم الآخرون بالإنصات. فلا شعارات، ولا مناظرات مفتوحة، فقط آراء تُقال وتُسمَع. بهذه الصيغة البسيطة، بدأت تنتشر في عدد من المدن السورية جلسات تُعرف باسم “أحاديث المدن”.

لم تأتِ هذه اللقاءات بوصفها مبادرة مؤسسية أو مشروعًا منظّمًا، بل تشكّلت تدريجيًا كاستجابة لحالة من القطيعة المتراكمة، دفعت كثيرين إلى البحث عن صيغة للقاء والاستماع خارج الأطر المعتادة.

فكرة وُلدت من الحاجة

ويقول د. نادر صنوفي، وهو الناشط السياسي ومطلق فكرة “أحاديث المدن”، في حديثه مع “الحل نت“: “بدأت فكرة حديث المحافظات في إدلب بعد الحراك ضدّ هيئة تحرير الشام، ونشوء مبادرات للإصلاح بين المتظاهرين وحكومة الإنقاذ. ولاحظنا آنذاك أن هناك عددًا كبيرًا من الناس لا يعرفون بعضهم بعضًا، ولا يعرفون آراء بعضهم؛ يسمعون عن بعضهم، لكنهم لم يسمعوا من بعضهم مباشرة”.

جلسة “حديث الأربعاء” في حمص تناقش تمثيل مجلس الشعب القادم وقدرته على أداء مهامه

وأضاف: “من هنا نشأت فكرة ضرورة أن يلتقي هؤلاء الناس، وأن يسمع كلٌّ منهم رأي الآخر. فكانت جلسة حديث الاثنين في إدلب، وذلك في بدايات عام 2024″.

ومنذ الجلسات الأولى، اتّسمت “أحاديث المدن” بتنوّع لافت في الحضور، شمل أشخاصًا من خلفيات متناقضة سياسيًا واجتماعيًا. هذا التنوّع، الذي كان يُفترض أن يكون عنصر توتر، تحوّل إلى أحد أبرز سمات التجربة.

يقول صنوفي: “بدأت الجلسات صغيرة، ثم ما لبثت أن توسعت، وكان يحضرها أشخاص من مختلف الاتجاهات؛ منهم من ينتمي إلى هيئة تحرير الشام، ومنهم من كان معتقلًا سابقًا لديها، بل وكان يحضرها أشخاص كانوا قد تبادلوا إطلاق النار فيما بينهم في فترات سابقة، ثم أصبحوا اليوم يجلسون معًا ويستمعون إلى آراء بعضهم بعضًا”.

ويضيف: “وقد حققت هذه الجلسات نجاحًا كبيرًا في مجالات التعارف، والتشبيك، واكتشاف ما هو مشترك”.

قواعد صارمة

تعتمد “أحاديث المدن” على بنية تنظيمية بسيطة لكنها منضبطة، تقوم على وضوح الدور والالتزام بالقواعد. هذه الآلية، بحسب القائمين عليها، هي ما يمنح الجلسات طابعها المختلف عن أي نقاشات عامة أخرى.

من جلسة حديث الأربعاء في حمص- وسائل التواصل الاجتماعي

وأوضح صنوفي: “أحاديث المحافظات هو لقاء دوري نصف شهري، يُعقد أسبوعًا بعد أسبوع. يحضر هذا اللقاء أي شخص مهتم، ويُعقد في مكان عام، مثل مقهى، مطعم، مقرّ جمعية، مضافة عائلية، أو قاعة في كنيسة أو جامع”.

وأضاف: “يُطرح في اللقاء موضوع الساعة الذي يهمّ البلد، وتُدار الجلسة بحيث يُعطي كل شخص رأيه لمدة تتراوح بين ثلاث إلى سبع دقائق، حسب عدد الحضور”.

من جلسة حديث الأربعاء في حمص- وسائل التواصل الاجتماعي

ويُحدَّد موضوع كل جلسة عبر آلية تشاركية داخل المجموعة، إذ يُطلب من الأعضاء تقديم اقتراحاتهم قبل موعد اللقاء بثلاثة إلى أربعة أيام، ثم يُجرى تصويت داخلي لاعتماد الموضوع الذي ينال أغلبية الأصوات، بما يضمن أن يعكس النقاش القضايا التي تشغل المشاركين فعليًا في تلك المرحلة.

وشدد على القواعد الأساسية: “من أهم قواعد اللقاء: لا نقاش، لا جدال، لا يحاول أحد إقناع الآخر، لا تصوير، لا نشر، ولا إعلام”.

وتقوم “أحاديث المدن” على فكرة أن الاستماع المتبادل، دون ردود فورية، يسمح بظهور القواسم المشتركة تلقائيًا. ويرى القائمون عليها أن هذا النهج يخفف حدّة الخلاف، بدل تضخيمه.

ويقول صنوفي: “إن الغاية الأساسية من هذه اللقاءات تقوم على ثلاثة أمور رئيسية: أولًا التعارف، أن نجلس مع بعضنا ونتعرّف على آراء بعضنا. ثانيًا التشبيك، إذ نصبح ضمن مجموعة واحدة ونتعرّف على أرقام بعضنا. ثالثًا الاكتشاف، وهو الأهم، اكتشاف ما هو مشترك بيننا”.

وأضاف: “عندما يقول كل شخص رأيه دون أن يردّ على أحد، ودون أن يردّ عليه أحد، نستطيع استكشاف المشتركات فيما بيننا. وعند الوصول إلى القضايا المختلف عليها، يأخذ الخلاف حجمه الطبيعي”.

من إدلب إلى حلب.. ثم إلى المحافظات

مع انتقال التجربة إلى مدن أخرى، بدأت “أحاديث المدن” تكتسب طابعًا وطنيًا، مع الحفاظ على خصوصية كل مدينة. وكانت حلب المحطة الأبرز بعد إدلب، في ظل أجواء مشوبة بالحذر والخوف.

يقول صنوفي: “بعد تحرير مدينة حلب، بادر عدد من أبنائها، ممن كانوا يحضرون حديث الاثنين في إدلب، إلى التواصل مع أهل حلب. لاحظوا أن الناس هناك كانوا خائفين ومتوجسين مما جرى، فطلبوا منهم عقد لقاء للتعارف”.

وأضاف: “أصبح يحضر الجلسة عدد كبير من مختلف مكونات المدينة؛ من الإخوة المسيحيين، ومن الإخوة الذين كانوا موجودين في حلب في ظل النظام، ومن القادمين من إدلب”.

وتابع: “نشأت فكرة تعميم هذه الجلسات على بقية المحافظات، فبدأ حديث الأربعاء في حمص، ولقاء حماة في حماة، ولقاء دمشق في دمشق، ثم امتدت الفكرة إلى الساحل عبر حديث البحر، وإلى درعا عبر حديث حوران”.

إعادة تشكيل الوعي

يحرص القائمون على “أحاديث المدن” على التأكيد أن المبادرة لا تشكّل كيانًا سياسيًا أو تنظيميًا، ولا تهدف إلى إنتاج مواقف أو بيانات.

قال صنوفي: “حديث المحافظات هو آلية عمل وليس جسمًا تنظيميًا، وهو عمل مجتمعي لا علاقة له بالسلطة”.

وأضاف: “يحضر الجلسات كل مهتم، وأي شخص يشارك ويجدها مناسبة له يصبح من أهل الدار، ويستطيع بدوره دعوة من يراه مهتمًا”.

بالنسبة للمشاركين، تمثّل هذه الجلسات تجربة شخصية قبل أن تكون مبادرة عامة. الصحفي حزم المازوني، الذي حضر عدة جلسات، يرى فيها محاولة عميقة لإعادة بناء الوعي الجمعي.

وقال في حديثه مع “الحل نت“: “أعتقد أن هذه الأحاديث لإعادة تشكيل الوعي الجمعي السوري. هذه المهمة ليست بسيطة، وأردت أن أكون مشاركًا فيها”.

وأضاف: “أصبح لدي تفاؤل أكبر بأن الشخصية الجمعية السورية ستعيد بناء نفسها، وسيكون لدينا مجتمع حي قادر على التفاعل بين جميع أطيافه”.

تجربة بلا وعود سياسية

أحد أبرز ملامح الجلسات، بحسب المشاركين، هو غياب الخوف وسقف الحرية العالي، وهو ما شكّل مفاجأة حتى لمن اعتاد العمل العام.

قال المازوني: “لم يكن هناك أي حواجز أو مخاوف نهائيًا. الجو العام في هذه الجلسات ودي جدًا”.

وأضاف: “السوريون رموا جميع مخاوفهم خلفهم مع زوال النظام البائد، وباتوا يتحدثون بحرية وبسقف حرية عالٍ جدًا. لم أكن أتوقع أن يكون سقف الحرية عاليًا إلى هذا الحد”.

رغم غرابة القاعدة (لا نقاش) في الظاهر، يرى مشاركون أنها أسهمت في خفض التوتر ومنح الجلسات طابعًا مختلفًا عن النقاشات العامة المعتادة.

قال المازوني: “هذه القاعدة تم وضعها بهدف إعطاء هذه النقاشات طبيعة مختلفة عن نقاشات فيسبوك التي يغلب عليها العراك والشتائم، وفي الفترة الحالية أعتبرها نقطة قوة، وبنهاية الجلسات تبدأ دائمًا التعقيبات على آراء الآخرين وتحدث جلسة نقاش خفيف”.

لا تقدّم “أحاديث المدن” نفسها بوصفها بديلًا عن السياسة أو مسارًا سياسيًا، بل مساحة اجتماعية للقاء والحوار.

ويشير المازوني إلى أن الجلسات التي شارك فيها تناولت قضايا مرتبطة بإعادة التفكير في شكل الدولة والمجتمع، لافتًا إلى أن النقاشات تطرقت إلى دور الإعلام، ومفهوم الهوية في بناء الدولة، إضافة إلى مفهوم المواطنة وعلاقته بإعادة تأسيس الدولة السورية.

وقال المازوني: “ليس هناك هدف استراتيجي عملي لهذه الحوارات. الهدف الوحيد منها هو أن يتعرف السوريون على بعضهم البعض، ويتحدثوا، ويتبادلوا الأفكار”.

وأضاف حول العلاقة مع السلطة: “يحضر ممثل عن الإدارة السياسية بطلب من منسقي الجلسة بهدف وجود قناة بين الإدارة والمواطنين، ولم تتدخل الإدارة السياسية بمحتوى الجلسات أو توقيتها”.

جسّ نبض أم مساحة آمنة؟

في المقابل، يرى مراقبون أن تجربة “أحاديث المدن”، رغم طابعها المجتمعي الهادئ، لا يمكن فصلها بالكامل عن السياق السياسي العام في سوريا. ويشير هؤلاء إلى أن التاريخ السوري القريب يجعل من الصعب تقبّل أي نشاط عام واسع الانتشار بوصفه مبادرة مستقلة تمامًا، معتبرين أن “لا شيء يتحرك في الفضاء العام السوري خارج علم السلطة أو موافقتها، المباشرة أو الضمنية”.

وبحسب هذا الرأي، فإن السماح بعقد جلسات منتظمة في أماكن عامة، وبمشاركة أطياف اجتماعية وسياسية متباينة، يطرح تساؤلات حول حدود الاستقلال الفعلي لهذه المبادرات، وحول ما إذا كانت جزءًا من مناخ مُدار بعناية، يهدف إلى امتصاص التوتر وإعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة.

يقول أحد المشاركين في جلسات “أحاديث المدن”، فضّل عدم ذكر اسمه، إن بعض الحاضرين لا يخفون توجّسهم من طبيعة هذه اللقاءات، مضيفًا: “هناك من يرى أن ما يجري قد يكون نوعًا من جسّ نبض الشارع السوري، أو محاولة غير مباشرة لإعادة ترتيب الوعي الجمعي ضمن هوامش تُعدّ مقبولة من قبل السلطة”.

ويضيف: “التشجيع على الحديث دون جدال، ومنع النقاش أو التصادم، قد يُفهم لدى البعض على أنه وسيلة لتفريغ الشحنات النفسية والاجتماعية، من دون السماح بتحولها إلى مواقف سياسية واضحة أو مطالب منظمة”.

في المقابل، يردّ مشاركون في “أحاديث المدن” على هذا التوجس بالقول إن التجربة لا تطرح نفسها كحراك احتجاجي أو بديل سياسي، وإن قوتها تكمن تحديدًا في بساطتها وابتعادها عن الشعارات والمواقف الجاهزة، معتبرين أن الحكم عليها ينبغي أن ينطلق من أثرها الفعلي على العلاقات بين الناس، لا من نوايا مفترضة.

بين من يراها مساحة صادقة لإعادة وصل المجتمع السوري بنفسه، ومن ينظر إليها بعين الحذر والشك، تبقى “أحاديث المدن” تجربة مفتوحة على أكثر من قراءة. فهي لا تقدّم وعودًا سياسية، ولا تدّعي امتلاك حلول كبرى، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن حاجة عميقة لدى السوريين للجلوس معًا، والاستماع إلى بعضهم، خارج ضجيج المنصات والاستقطابات الحادة.

تفاصيل إضافية عن “أحاديث المدن”.. تجربة سوريّة لإعادة بناء المشترك بلا جدال

🔍 اقرأ المزيد على هنا:

مقيم أوروبا

📌 المصدر الأصلي:
مقيم أوروبا وعوغل ومواقع انترنت

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات