🔰
قفزة 94% في العجز التجاري السوري–التركي.. كيف يدفع السوريون فاتورة “تحرير التجارة”؟
✔️
سجل العجز التجاري السوري مع تركيا قفزة حادة بلغت نحو 94 بالمئة خلال عام واحد، في مؤشر يعكس اختلالًا بنيويًا متسارعًا يضع السيادة الإنتاجية للبلاد على المحك.
فبينما كانت الأسواق تترقب أثرًا إيجابيًا لسياسات تحرير التجارة، كشفت البيانات الرسمية عن تحول الأسواق المحلية إلى “ساحة تصريف” كبرى للمنتجات الأجنبية، وسط انكماش حاد في القدرة التنافسية للمصنع المحلي.
أرقام تكشف الفجوة
وفق بيانات رسمية تركية، قفزت الصادرات التركية إلى سوريا بنحو 60 إلى 70 بالمئة خلال عام واحد لتصل إلى نحو 3.5 مليارات دولار، مقارنة بنحو 2.2 مليار دولار في العام السابق.
في المقابل، تراجعت الصادرات السورية إلى تركيا إلى ما يقارب 235 مليون دولار بعد أن كانت تدور حول 400 مليون دولار، ما دفع العجز التجاري الثنائي إلى الارتفاع من نحو 1.7 مليار دولار إلى أكثر من 3 مليارات دولار خلال فترة قصيرة.
هذه الأرقام، المستندة إلى بيانات هيئة الإحصاء التركية وتقارير دولية بينها “رويترز”، تعكس تحولًا سريعًا في اتجاهات التبادل التجاري بين البلدين، وتطرح تساؤلات حول كلفة الانفتاح التجاري السوري الأخير على التوازنات الكلية للاقتصاد.
وكانت أعلنت الشركات التركية اهتمامًا متزايدًا بالمشاركة في مشاريع البنية التحتية وإعادة الإعمار في سوريا، ما قد يعمّق الروابط التجارية والاستثمارية بين البلدين.
وبالنسبة لأنقرة، يمثّل السوق السوري فرصة توسّع إقليمي في وقت تتباطأ فيه بعض الأسواق التقليدية، أما بالنسبة لدمشق، فإن الموازنة بين جذب الاستثمارات والحفاظ على قاعدة إنتاجية محلية قادرة على المنافسة ستبقى التحدي الأبرز.
تحذيرات اقتصادية
في هذا السياق، أكد المحلل الاقتصادي جهاد يزجي أن السياسة التي تنتهجها الحكومة السورية والمتمثلة في تحرير التجارة الخارجية بشكل شبه كامل، دون توفير أدوات حماية أو سياسات صناعية موازية، بدأت تُنتج آثارًا دراماتيكية على بنية الاقتصاد الوطني وتوازنه الخارجي.
وأوضح يزجي في منشور له على منصة “فيسبوك”، أن البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات التركية تكشف بوضوح حجم الاختلال المتسارع في الميزان التجاري بين البلدين، مشيرًا إلى أن هذه التطورات أدت إلى تضاعف شبه كامل في العجز التجاري السوري مع تركيا خلال عام واحد، وهو مستوى غير مسبوق يعكس هشاشة القدرة التنافسية للمنتج المحلي، واتساع الفجوة بين بنية الاستيراد والاستهلاك من جهة، والإنتاج والتصدير من جهة أخرى.
وأضاف أن هذا الخلل لا يقتصر أثره على الميزان التجاري فحسب، بل يمتد ليضغط بقوة على عجز ميزان المدفوعات، ويزيد الطلب على القطع الأجنبي في اقتصاد يعاني أصلًا من شح الموارد وتآكل الاحتياطات، مبينًا أن حالة الغضب المتصاعدة في أوساط الصناعيين السوريين تجد ما يبررها في هذه الأرقام، إذ يشعر المنتجون المحليون بأنهم تُركوا في مواجهة منافسة غير متكافئة، في ظل غياب سياسات حمائية مرحلية أو برامج دعم للتحديث الصناعي.
ولفت إلى أن المستفيدين المباشرين من هذا النهج هم شريحة محدودة من كبار التجار المرتبطين بشبكات استيراد قوية، إلا أن الكلفة طويلة الأجل ستقع على الاقتصاد والمجتمع ككل، من خلال إضعاف القاعدة الإنتاجية، وتآكل فرص العمل، وتعميق التبعية التجارية، ما يستدعي مراجعة عاجلة وشاملة لمسار الانفتاح الحالي وأدواته.
وفق تقديرات البنك الدولي، تقلص حجم الاقتصاد السوري بأكثر من النصف مقارنة بمستويات ما قبل 2011 ، بينما يعمل اليوم بقدرة إنتاجية منخفضة وببنية صناعية تضررت بفعل سنوات النزاع والعقوبات ونقص التمويل والطاقة.
مع ذلك، يجادل مسؤولون بأن الانفتاح ساهم في تحسين وفرة السلع وخفض بعض الأسعار للمستهلكين، لا سيما في قطاعات الأغذية والملبوسات والمواد الاستهلاكية، في وقت تعاني فيه الأسر من تآكل القدرة الشرائية، كما أن تسهيل الاستيراد يُنظر إليه كآلية سريعة لتخفيف اختناقات العرض في اقتصاد يعاني من قيود تمويلية وعقوبات تعرقل سلاسل التوريد.
فجوة سعرية مقصودة؟
من جانبه حذّر المستشار التنفيذي السابق لشؤون السيولة والنقد في وزارة الاقتصاد، جورج خزام، من أن ملامح السياسة الاقتصادية المعتمدة حاليًا تشير بوضوح إلى توجّه منظم لإحداث فجوة سعرية مقصودة بين كلفة المستوردات وكلفة المنتج الوطني، بما يدفع السوق تدريجيًا نحو تفضيل البضائع الأجنبية على حساب الإنتاج المحلي.
وأوضح خزام في منشور له عبر “فيسبوك”، أن رفع الضرائب والرسوم المالية وتكاليف الكهرباء الصناعية المفروضة على المصانع والورش، بالتوازي مع تخفيض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة البديلة، يخلق بيئة تنافسية مختلّة تُضعف قدرة المنتج السوري على الصمود، وتؤدي عمليًا إلى انكماش القاعدة الإنتاجية الوطنية.
وبيّن خزام أن هذه المقاربة لا تنعكس فقط على هيكل الأسعار، بل تُحدث تحولات عميقة في بنية الاقتصاد، إذ تُفضي إلى انتقال تدريجي للثقل الاقتصادي من قطاع الإنتاج إلى قطاع الاستيراد، بما يشبه “ذوبان” اقتصاد ضعيف في اقتصاد أقوى وأكثر تنظيمًا.
ولفت إلى أن النتائج المباشرة لذلك تتمثل في تحقيق أرباح مرتفعة لشريحة من المستوردين، مقابل تصفية متسارعة للمعامل والورش الصغيرة والمتوسطة، وما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الدخول الحقيقية للأسر، لتجد السوق نفسها معتمدة بصورة شبه كاملة على السلع القادمة من الخارج.
مخاطر استراتيجية
أشار خزام إلى أن اتساع فجوة الاستيراد يعني حكمًا زيادة الطلب على الدولار لتمويل العمليات التجارية، ما يضاعف الضغوط على سوق القطع ويمنح شبكات الصرافة الداخلية والخارجية مساحة أوسع للتأثير في سعر الصرف.
وأضاف أن المناخ العام يُسهم كذلك في تشويه صورة الصناعيين والمنتجين عبر تصويرهم كمحتكرين أو باحثين عن أرباح مفرطة، في حين يجري تقديم المستورد باعتباره “منقذًا” للمستهلك، رغم أن هذا المستهلك نفسه يتضرر من فقدان فرص العمل وتراجع النشاط الإنتاجي.
استمرار هذا المسار ينطوي على مخاطر استراتيجية، أبرزها تنشيط التهريب نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج المحلي مقارنة بالسلع الأجنبية، وتعميق الارتهان للأسواق الخارجية.
المستشار التنفيذي السابق لشؤون السيولة والنقد في وزارة الاقتصاد، جورج خزام
وختم بالتأكيد على أن زيادة الإنتاج الوطني لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة لتعزيز التغطية السلعية للعملة الجديدة، وتخفيف الطلب على الدولار، وضمان استقرار سعر الصرف، محذرًا من أن أي عملية نقدية كبرى، مؤكدًا أنها لن تنجح في ظل اقتصاد إنتاجي منكمش وعجز تجاري متفاقم.
تكشف أرقام التجارة الأخيرة أن الاقتصاد السوري اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستمرار في نهج “الانفتاح غير المشروط” الذي يحول البلاد إلى مجرد سوق استهلاكي للجوار، أو الانتقال إلى “الحماية الذكية” التي توازن بين تأمين احتياجات السوق وبين دعم كلف الإنتاج (طاقة، ضرائب، تمويل) لتمكين المنتج السوري من الصمود في وجه “تسونامي” الواردات.
📌 المصدر وأخبار الساعة تجدها هنا:
منصة مقيم أوروبا وغوغل ومواقع انترنت
🚩2026-02-11 09:58:37
#قفزة #في #العجز #التجاري #السوريالتركي. #كيف #يدفع #السوريون #فاتورة #تحرير #التجارة
#سوريا #ألمانيا #هولندا #السويد #سويسرا #فرنسا #مقيم #أوروبا