الخميس, أبريل 9, 2026
الرئيسيةBlogمحاكمة أحداث الساحل كنموذج لأزمة القضاء في سوريا ما بعد الأسد

محاكمة أحداث الساحل كنموذج لأزمة القضاء في سوريا ما بعد الأسد

#️⃣ #محاكمة #أحداث #الساحل #كنموذج #لأزمة #القضاء #في #سوريا #ما #بعد #الأسد

محاكمة أحداث الساحل كنموذج لأزمة القضاء في سوريا ما بعد الأسد

📅 2025-11-19 12:41:10 | ✍️ سائد الحاج علي | 🌐 الحل نت

ما هو محاكمة أحداث الساحل كنموذج لأزمة القضاء في سوريا ما بعد الأسد؟

انتهت، أمس الثلاثاء، أولى الجلسات العلنية لمحاكمة المتهمين بارتكاب الانتهاكات خلال أحداث الساحل التي شهدتها المنطقة في آذار/مارس الماضي، داخل قصر العدل في حلب، وسط حضور كثيف للإعلام المحلي والدولي، إضافة إلى ممثلين عن منظمات حقوقية.

المحاكمة بدت، في شكلها الأول، كأنها لحظة فارقة في مشهد قضائي سوري يتلمّس طريقه بعد سقوط نظام الأسد، لكنها سرعان ما كشفت عن عمق أزمة القانون والعدالة في البلاد.

محاكمة أحداث الساحل تحت الأضواء

الجلسة الافتتاحية خُصصت للنظر في ملفات عدد من الموقوفين بتهم تتعلق بـ”إثارة الفتنة الطائفية” و”السرقة” و”الاعتداء على قوى الأمن الداخلي والجيش السوري.

أولى جلسات محاكمة أحداث الساحل في حلب – مواقع التواصل الاجتماعي

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، فقد استُؤنفت الجلسات لاحقا لمحاكمة سبعة من العناصر وُصفوا بأنهم “منفلتون”، يواجهون اتهامات بالقتل والنهب خلال أحداث الساحل.

مع نهاية اليوم، كانت قاعة المحكمة قد شهدت محاكمة سبعة متهمين بقتل والاعتداء على عناصر الأمن العام وإثارة الفتنة الطائفية، إلى جانب سبعة آخرين من العناصر المنفلتة المتورطين، وفق لائحة الاتهام، في عمليات نهب وقتل استهدفت مدنيين في المنطقة.

وقررت هيئة المحكمة تعليق جلسات المحاكمة إلى يومي 18 و25 من الشهر المقبل، لاستكمال الإجراءات والاستماع إلى الشهود وعرض بقية الأدلة.

بهذا الشكل، قدّمت السلطة الجلسة كإشارة إلى أن زمن الإفلات من العقاب انتهى، وأن يد العدالة قادرة على الوصول حتى إلى عناصر محسوبين على أجهزة السلطة الجديدة ذاتها.

الدولة “تحاسب أبناءها”

حضور الإعلام والمنظمات الحقوقية لم يكن تفصيلا ثانويا. من الواضح أن السلطات أرادت توجيه رسالة مزدوجة: إلى الداخل بأن الدولة “تحاسب أبناءها”، وإلى الخارج بأن سوريا الجديدة تسير في طريق العدالة والشفافية.

لكن هذه الصورة اللامعة سرعان ما تصطدم بأسئلة قانونية عميقة، تخرج بالمحاكمة من كونها حدثا قضائيا عاديا إلى كونها نموذجا مكثّفا لأزمة القضاء في سوريا ما بعد الأسد.

المحامي والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان ميشال شماس، في مقال تحليلي نشره موقع “المدن“، يلفت الانتباه إلى هذا التناقض بين الشكل والمضمون. يقرّ بأن العلنية خطوة إيجابية في ذاتها، لكنها، وحدها، لا تعني أن المحاكمة عادلة، ما دامت الضمانات الأساسية غائبة، والرقابة على التحقيقات ضعيفة، والبنية القانونية نفسها تعاني من خلل بنيوي.

تتجلى الإشكالية بوضوح في كلام رئيس المحكمة خلال الجلسة. فقد قدّم الهيئة القضائية على أنها “محكمة وطنية مستقلة”، وأعلن أنها تطبق في الوقت نفسه، قانون العقوبات العسكري، وقانون العقوبات العام، وقانون أصول المحاكمات الجزائية.

بحسب شرح شماس في مقاله بـ”المدن”، فإن قانون العقوبات العسكري يقوم على مسار مبسّط نسبيا تحقيق ثم محاكمة أمام محكمة الجنايات، مع إمكانية الطعن أمام محكمة النقض.

في المقابل، يفرض قانون أصول المحاكمات الجزائية المدني تسلسلا واضحا يبدأ بقاضي التحقيق، يليه قاضي الإحالة، ثم محكمة الجنايات، ثم محكمة النقض، بما يضمن درجات من الرقابة المتبادلة، ويمنح المتهمين فرصة أوسع للدفاع قبل الوصول إلى الحكم.

السؤال الذي يطرحه شماس بوضوح، إذا كانت المحكمة تعتمد عمليا القانون العسكري، فما معنى إعلانها في الوقت نفسه أنها تطبق قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 112 لعام 1950؟

هذا التداخل بين مرجعيتين مختلفتين لا يخلق فقط إرباكا قانونيا، بل يضعف مصداقية المحاكمة ذاتها، ويكشف عن مأزق أوسع في البنية القضائية السورية: قضاء يريد أن يبدو مدنياً، لكنه ما زال يتحرك ضمن أدوات وذهنيات القضاء العسكري.

عدالة انتقالية أم تسويق سياسي؟

وزارة العدل قدّمت هذه المحاكمة على أنها خطوة في إطار “تحقيق العدالة الانتقالية وتطبيق القانون، بما يرسخ مبادئ العدالة والمحاسبة في الدولة”. ولكن يرى شماس، أقرب إلى الوصف السياسي منها إلى التوصيف القانوني الدقيق.

فالواقع أن المحاكمة تُجرى أمام محكمة جنايات عسكرية عادية في حلب، وتستند إلى مزيج من القانون العسكري وقانون العقوبات العام وقانون أصول المحاكمات الجزائية، من دون وجود أي قانون خاص بالعدالة الانتقالية، ولا إطار تشريعي يعترف بالجرائم الدولية الكبرى مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية.

هذا الغياب لا يقتصر على التوصيف النظري، بل ينعكس على جوهر القضية، جرائم النظام السابق، منذ عام 2011، من قتل جماعي وتعذيب ممنهج واختفاء قسري، لا تجد مكانا واضحا لها في المنظومة القانونية الحالية، لأنها ببساطة غير منصوص عليها في التشريعات السورية، وفق القاعدة الصارمة، “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.

بمعنى آخر، القضاء السوري، بصيغته الحالية، غير مهيأ قانونا للتعامل مع أخطر ما شهده السوريون من فظائع خلال العقدين الماضيين، أي أنه لن يكون قادرا على محاسبة مجرمي نظام الأسد بهيكليته القانونية الحالية.

لماذا الساحل أولا؟

في الوقت الذي كان أهالي الضحايا في سوريا، الذين سقطوا خلال سنوات الثورة، على يد ضباط وعناصر النظام السابق، ينتظرون محاسبة المجرمين، كأحد مسارات العدالة الانتقالية، بدأت الحكومة الجديدة بمحاسب مرتكبي مجازر الساحل السوري التي راح ضحيتها 1662 شخصا، قُتل بين 6 آذار/مارس و16 نيسان/أبريل 2025، معظمهم من المدنيين، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

هذا السؤال المطروح اليوم “لماذا الساحل؟” يجيب عليه شماس قائلا: “جرائم النظام السابق مصنّفة في القانون الدولي كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، لكنها غير مُدرجة في القانون السوري الداخلي. لذلك لا يستطيع القضاء الجزائي التقليدي أن يقترب منها ما لم يتدخل مجلس تشريعي ويقر قوانين خاصة تدمج هذه الجرائم في التشريعات الوطنية.

من جانبه، يرى الحقوقي السوري جلال الحمد أن المحاكمات الحالية “تفتقر إلى الأسس القضائية السليمة”، مشيرا إلى أنّ اللجنة الدولية للتحقيق سبق أن أوصت بإصلاح القطاع الجنائي، وهو ما يعني – كما يقول – أن المحاكم السورية غير جاهزة أصلاً للتعامل مع هذا النوع من الملفات.

ويضيف أن اعتماد السلطة القضائية على نتائج اللجنة الوطنية، التي لم تُنشر للعلن قط، “يهدف فعليا إلى تبرئة القيادات العليا التي حمّلتها التقارير الدولية مسؤولية ما جرى في الساحل، بوصفه جرائم حرب”.

يحذّر الحمد من تحول هذه المحاكمات إلى “إجراءات شكلية تعمّق المظالم بدلا من معالجتها”، ويرى أن التجربة الحالية قد تكون مقدمة لنهج مشابه في عمل الهيئة العليا للعدالة الانتقالية مستقبلا.

وفي السياق نفسه، كتب المحامي السوري إيهاب عبد ربه تعليقا على بدء المحاكمات، معتبرا أن ما يجري “لا يلامس جوهر المأساة”.

يقول إن أكثر من 1000 مدني قُتلوا في أحداث الساحل، “ومع ذلك سيُحاكم عدد قليل من المجندين الذين صوّروا أنفسهم أثناء ارتكاب الانتهاكات، فيما يبقى كبار المسؤولين، من بقايا النظام السابق ومن الضباط الجدد، بعيدين تماماً عن المحاسبة”.

ويرى عبد ربه أن هذا النهج “يقوّض أسس بناء دولة قانون حقيقية، ويترك جذور المأساة بلا معالجة”.

أزمة القضاء في سوريا ما بعد الأسد

لكي تصبح هذه المحاكمات خطوة في طريق عدالة انتقالية حقيقية، بحسب المحامي ميشال شماس لا بد من “وجود مجلس تشريعي يسن قوانين تُدرِج تلك الجرائم في التشريعات السورية، وتأهيل قضاة قادرين على التعامل مع هذه النوعية من القضايا، وإنشاء محاكم خاصة بالعدالة الانتقالية قادرة على الفصل في الجرائم الدولية الخطيرة والمعقدة”.

بالإضافة “لتوحيد المرجعية القانونية بين القوانين العسكرية والمدنية لمنع التضارب وضمان المساواة أمام القضاء، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض والطائفية ليكون رادعاً ضد التمييز والتنمر، وتوفير بيئة قضائية مستقلة تحمي الضحايا والشهود وتضمن علنية وشفافية المحاكمات”.

ويرى شماس أن “هذه الخطوات ليست مجرد متطلبات شكلية، بل هي شروط ضرورية لإضفاء الشرعية على أي مسار قضائي، وضمان أن العدالة الانتقالية تتحول من شعارات إلى واقع ملموس. من دون هذه الإصلاحات، ستبقى أي محاكمة قائمة على القانون السوري الحالي ناقصة وغير كافية لمحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة والكبرى”.

ما الرسالة من المحاكمات؟

في بعدها السياسي، تبدو محاكمة بعض العناصر المحسوبين على السلطة الجديدة رسالة صريحة تقول إن الحصانة لم تعد مطلقة، حتى لمن يقف على مقربة من دوائر النفوذ. غير أن هذه الرسالة، في بلد عاش طويلا تحت قدسية الأجهزة الأمنية، لا تكفي وحدها لطمأنة السوريين. فمحاسبة الرتب الدنيا لا تعني حكماً استعداد الدولة لفتح الملفات الثقيلة التي تطال كبار القادة.

ويتضح هذا التردد في تجاهل السلطات لاتهامات أوروبية وأميركية طالت شخصيات بارزة في الجيش السوري الجديد.

ففي آذار/مارس 2025، أدرج الاتحاد الأوروبي اسم محمد حسين الجاسم “أبو عمشة” وفصيله “لواء السلطان سليمان شاه” على لائحة العقوبات، متهما إياه بالمشاركة في أعمال عنف استهدفت مدنيين، ولا سيما من أبناء الطائفة العلوية، شملت عمليات قتل تعسفي.

وتنسجم هذه الخطوة مع عقوبات فرضتها وزارة الخزانة الأميركية في آب/أغسطس 2023 على فصيلي “السلطان سليمان شاه” و”الحمزة” بتهم تتعلق بالنهب والخطف والتعذيب في منطقة عفرين.

ومع ذلك، لم تُبدِ السلطات في دمشق أي استعداد لفتح تحقيقات داخلية، ما يعزّز الانطباع بأن المحاسبة ما زالت انتقائية لا تمسّ المستويات العليا.

بهذا المعنى، قد تتحول المحاكمة إلى محاولة لإعادة تلميع صورة الدولة من دون الاقتراب من محاكمة القادة العسكريين الذين أعطوا الأوامر. لذلك يرى كثير من المراقبين أن ما يجري اليوم لا يختبر قدرة الدولة على قول “لا أحد فوق القانون” بقدر ما يكشف حدود هذه القدرة؛ فالمحاكمة قد تمسّ المنفذين الصغار، لكنها ما تزال بعيدة عن الاقتراب من المسؤولين الكبار، أيا كانت درجة تورطهم أو حجم الانتهاكات المنسوبة إليهم.

تفاصيل إضافية عن محاكمة أحداث الساحل كنموذج لأزمة القضاء في سوريا ما بعد الأسد

🔍 اقرأ المزيد على هنا:

مقيم أوروبا

📌 المصدر الأصلي:
مقيم أوروبا وعوغل ومواقع انترنت

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

الأكثر شهرة

احدث التعليقات